الحلبي

116

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

الصديق . وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته : أي صوته يقول متشوقا إلى مكة ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة * وهل يبدون لي شامة وطفيل اللهم العن شيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء ، وأراد بلال بالوادي وادي مكة . والإذخر : نبت معروف . وجليل : بالجيم نبت ضعيف ، وشامة وطفيل : جبلان بقرب مكة ، أي وفي رواية : وهل يبدون لي عامر وطفيل وعامر أيضا : جبل من جبال مكة . وفي شرح البخاري للخطابي : كنت أحسب شامة وطفيلا جبلين حتى مررت بهما ، فإذا هما عينان من ماء هذا كلامه . وقد يقال : يجوز أن تكون العينان بقرب الجبلين المذكورين ، فأطلق اسم كل منهما على الآخرين ، ولعل هذا اللعن من بلال كان قبل النهي عن لعن المعين ، لأنه لا يجوز لعن الشخص المعين على الراجح ، إلا إن علم موته على الكفر كأبي جهل وأبي لهب دون الكافر الحيّ ، لأنه يحتمل أن يختم له بالحسنى فيموت على الإسلام ، لأن اللعن هو الطرد عن رحمة اللّه تعالى المستلزم لليأس منها . وأما اللعن على الوصف كآكل الربا فجائز أو أن ذلك محمول في ذلك على الإهانة والطرد عن مواطن الكرامة لا على الطرد عن رحمة اللّه تعالى الذي هو حقيقة اللعن ، وكان كل من أبي بكر وعامر وبلال في بيت واحد . قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها : فاستأذنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في عيادتهم ، فدخلت عليهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فإذا بهم ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى من شدة الوعك فسلمت عليهم ، أي وقالت لأبيها : يا أبت كيف أصبحت ؟ فأنشدها الشعر المتقدم ، قالت : فقلت : إنا للّه ، إن أبي ليهذي ، قالت : فقلت لعامر بن فهيرة : كيف تجدك ؟ فقال : إني وجدت الموت قبل ذوقه * إن الجبان خنقه من فرقه قالت : فقلت : هذا واللّه لا يدري ما يقول ، قالت : ثم قلت لبلال : كيف أصبحت فإذا هو لا يعقل . وفي رواية فأنشدها البيتين ، قالت : وذكرت حالهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقلت : إنهم يهذون ولا يعقلون من شدة الحمى . أي وهذا السياق يخالف ما في السيرة الهشامية أن الصديق رضي اللّه تعالى عنه لما قدم المدينة أخذته الحمى هو وعامر بن فهيرة وبلال ، إلا أن يقال لا مخالفة لأنه يجوز أنها أخذتهم أولا وأقلعت عنهم ثم عادت عليهم بعد دخوله صلى اللّه عليه وسلم بعائشة ، أو أن